التصميم المتمحور حول الإنسان

ماهو التصميم المتمحور حول الإنسان؟

بواسطة خالد مجرشي | ١٣ يونيو ٢٠٢٠م

يجد الناس مشاكل كثيرة في استخدام العديد من الحلول المتعلقة بالأدوات أو المنتجات أو الخدمات أو التنظيمات وغير ذلك، ويحبطون منها ويتوقفون عن استخداماها بسبب أنها لا تلبى احتياجاتهم أو تتوافق مع قدراتهم. وعادة يكون سبب المشاكل في تلك الحلول أن مصمميها لم يقوموا بإشراك الإنسان في عملية تصميمها. ومن هنا ظهرت الحاجة لفلسفة تتبنى جعل الإنسان محورا في عملية تصميم الحلول. ولذلك ظهرت فلسفة التصميم المتمحور على الإنسان (Human-Centered Design واختصاراً HCD) والتي تهدف إلى فهم الإنسان أولا ومن ثم تصميم الحلول بناء على ذلك. ولذلك فإن هذه الفلسفة تجعل الإنسان باحتياجاته وقدراته ومعتقداته وقيمه ورغباته وتفضيلاته وتوقعاته ومواقفه وسلوكياته وتصوراته وبيئته في مركز عملية حل المشكلات.

وقد روعي في تصاميم العديد من الأشياء التي يستخدمها الإنسان منذ القدم احتياجاته وقدراته ولكن لم يكن ذلك بناء على فلسفة ومنهج معين. فقد راعى الحرفيين والمهنيين في العصور الماضية احتياجات الانسان عند تصميم الملابس والأدوات والمساكن وغير ذلك. ولو أخذنا "الفأس" كمثال لأداة صممت بيد خشبية وسن حادة من الحديد، لوجدنا انه تم الأخذ بعين الاعتبار احتياجات وقدرات البشر في التصميم حيث جعل وزنه مناسبا من أجل حمله ويده الخشبية بطول وعرض ملائم من أجل استخدامه وجعلت السن حادة لكي تقوم هذه الأداة بقطع الأشجار.

ولو تناولنا ساعة الفيل كمثال آخر والتي تعتبر ساعة دقيقة ميكانيكية اخترعها العالم المسلم الجزري (١١٣٦م- ١٢٠٦م)، فقد تم تصميم المزولة التي تتضمن عدد من الدوائر بطريقة تساعد على فهم الإنسان لعدد الساعات المنقضية، وطائر العنقاء الذي يدور كل نصف ساعة مصحوبا بصوت كنمط يساعد على تنبيه الأشخاص بمرور نصف ساعة. واستشهادنا هنا لا يعني أن تصاميم الحلول القديمة روعي فيها كل الاحتياجات والقدرات الإنسانية بشكل مثالي، ولكن للإشارة إلى قدم مراعاة الحاجات والقدرات الإنسانية عند تصميم بعض الحلول.

وقد ظهر مصطلح وفلسفة التصميم المتمحور حول الإنسان في النصف الثاني من القرن العشرين، وتطور مجاله المعرفي حتى أصبح أحد أهم الفلسفات في التصميم في وقتنا الحاضر. ومن الجدير بالذكر هنا أنه سبق ظهور هذه الفلسفة مجال علمي يسمى الأرغونوميات أو العوامل البشرية (Ergonomics & Human Factors) أو الهندسة البشرية وهو علم يختص بدراسة التفاعل ما بين الإنسان والعناصر الأخرى وملائمة المنتجات والأنظمة والمهام وغير ذلك، لتتوافق مع طبيعة الإنسان واحتياجاته.

ويعتبر التصميم المتمحور حول الإنسان نهجا لحل المشكلات، حيث يتم استخدامه في الأطر التي تهدف إلى تطوير حلول للمشاكل من خلال محورة المنظور الإنساني في جميع خطوات عملية حل المشكلات. وتركز عملية التصميم المتمحور حول الإنسان على حل المشكلة الصحيحة أو المشكلة الجذرية المسببة للأعراض، وعلى حل المشكلة بطريقة تلبي احتياجات الإنسان. ويتم في العادة إشراك الإنسان أثناء محاولة فهم المشكلة في السياق المتعلق بها، وأثناء عملية توليد الأفكار للمشكلة، وإبان مراحل تطوير وتنفيذ وتقييم الحل.

ويتميز التصميم المتمحور حول الإنسان عن غيره من طرق حل المشكلات بتركيزه الشديد على فهم منظور الأشخاص الذين يواجهون المشكلة، واحتياجاتهم، وما إذا كان الحل الذي تم تصميمه لهم يلبي احتياجاتهم بشكل فعال أم لا. ويعتبر الأشخاص الذين لهم علاقة رئيسية بالمشكلة جزءًا محوريا خلال عملية تصميم حل المشكلة، حيث يتم فهمهم بشكل عميق عبر عدة أساليب، وقد يصل الأمر حتى بجعلهم جزءًا من فريق تصميم الحل. وبناء على ذلك، فإن التصميم المتمحور حول الإنسان يختلف عن العديد من المسالك التي يتم انتهاجها في تصميم الحلول دون اعتبار للمنظور الإنساني. فهو على سبيل المثال يختلف عن النهج الذي يشرع فيه الشخص بتصميم الحلول دون النظر في احتياجات وقدرات وسلوكيات البشر ومن ثم محاولة القيام بإجراءات لكي يتبنى البشر تلك الحلول، أو النهج الذي يتم فيه تصميم الحلول تبعا للتطورات التكنولوجية أو التوجهات السوقية ومن ثم محاولة العمل على تسويقها للأشخاص وحثهم لتغيير سلوكياتهم وعاداتهم تبعا لما تم تصميمه في تلك الحلول، أو النهج الذي يتجاهل الإنسان عند تصميم الحلول ومن ثم يتبع التصميم بدورات لتعليم الأفراد كيفية استخدام تلك الحلول وطرق التعامل مع المشاكل أو الصعوبات والقيود بها.

وخلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وحتى وقتنا الحاضر تم تبني فلسفة التصميم المتمحور حول الإنسان في حقول التصميم المتعددة مثل في تصميم التجربة والتصميم الصناعي وتصميم التفاعل (نورمان، ٢٠١٣). وقد استخدم التصميم المتمحور حول الإنسان في سياق تطوير الأنظمة الحاسوبية التفاعلية حيث تم تعريفه في هذا السياق على أنه "نهج لتطوير الأنظمة التفاعلية يهدف إلى جعل الأنظمة قابلة للاستخدام ومفيدة من خلال التركيز على المستخدمين واحتياجاتهم ومتطلباتهم، (والأخذ في الاعتبار) بالعوامل البشرية/الأرغونوميات، (وتطبيق) المعرفة والأساليب المتعلقة بقابلية الاستخدام" (المنظمة الدولية للمعايير، ٢٠٠٩). وينظر إلى نهج التصميم المتمحور حول الإنسان على أنه "يعزز الفاعلية والكفاءة، ويحسن رفاهية الإنسان، ورضا المستخدم، وإمكانية الوصول والاستدامة؛ ويتصدى للآثار الضارة المحتملة للاستخدام على صحة الإنسان وسلامته وأدائه (المنظمة الدولية للمعايير، ٢٠٠٩). ـــ

المراجع

Norman, Don. 2013. The design of everyday things: Revised and expanded edition Basic books.

ISO, 2009. 9241-210: 2010. Ergonomics of human system interaction-Part 210: Human-centred design for interactive systems. International Standardization Organization (ISO). Switzerland.