التحول الرقمي بين المفهوم السائد والحقيقي

التحول الرقمي بين المفهوم السائد والحقيقي

بواسطة خالد مجرشي | ١٧ مارس ٢٠٢١م

نعيش حاليا في عالم يعج بالتقنيات الرقمية التقليدية والناشئة، مما زاد من توقعات الأفراد حول ما يجب أن تقوم به الحكومات والمنظمات في سبيل توفير الوصول إلى خدماتها من أي قناة وفي أي وقت وفي أي مكان. لذا، تتجه الحكومات والمنظمات إلى تلبية التوقعات المتزايدة من المستفيدين عبر أتمتة الخدمات وجعلها في متناول المستفيدين على مدار الساعة. وقد برز مصطلح التحول الرقمي في الأوساط المختلفة كمجتمعات الباحثين، ومجتمعات المهتمين والممارسين في تقنية المعلومات والأعمال، والجهات الاستشارية، والمنظمات الحكومية والخاصة، وغير ذلك.


ويعتبر التحول الرقمي شائع الانتشار كمصطلح، لكن يبدو أن مفهومه الحقيقي ضيق الانتشار، حيث يعتبر الكثير التحول الرقمي هو رقمنة المعاملات والعمليات الورقية، مما يجعله متمركزاً حول تقنيات وأساليب محددة، وتقوم به فرق تقنية منعزلة. وهذا المفهوم يمكن سماعه من الأفراد في المنظمات وملاحظته في المنشورات والتصريحات لأشخاص من خلفيات مختلفة. كما يمكن استنباط ذلك بشكل جلي من توجهات بعض المنظمات بالنظر إلى واقعهم المتعلق بالتحول الرقمي والمشاريع التي ينفذونها حاليا أو المشاريع التي يطرحونها للمنافسة. فمثلاً، من خلال تحليلنا للمشاريع الحكومية ذات العلاقة بالتحول الرقمي المطروحة للمنافسة، نجد أن طلبات الخدمات الاستشارية في موضوع التحول الرقمي متمحورة بشكل كبير على الأدوات والتقنيات وكيف يمكن نقل التعاملات الورقية إلى إلكترونية. وهذا يعني أن التحول الرقمي تم حصره في بعد جعل التعاملات الورقية إلكترونية.


أما المفهوم الحقيقي للتحول الرقمي، فيتمثل في الاسهام في تلبية احتياجات المستفيد بكفاءة وفاعلية بغض النظر عن الأدوات والتقنيات التي ستستخدم، لذا فهو يتمحور حول المستفيد أو المستخدم. ويعد التحول الرقمي عملية تقوم على الأدلة والأبحاث والبيانات، وليست على الآراء، وذلك لتحسين تجربة الأشخاص المستفيدين من خدمات المنظمة. كما أن التحول الرقمي يؤكد على أهمية إعادة النظر في عملنا الحالي بما يشمل الأساليب والسياسات والتقنيات ونماذج العمل والعمليات والإجراءات. فضمن رحلة التحول الرقمي، يأتي هدف مهم يغفل عنه الكثير وهو إجراء تحسينات على السياسات واللوائح والتقنيات والأدوات ونماذج الأعمال لتلبية احتياجات المستفيد أو المستخدم بشكل أفضل. لذلك فإن عملية التحول الرقمي تعتبر فرصة ذهبية لمحي نماذج العمل القديمة واستحداث نماذج عمل تناسب متطلبات القرن الحادي والعشرين. ويجب أن تكون نماذج وأساليب العمل المستحدثة قابلة للتكيف والتحسين المستمر بناء على متطلبات المستفيدين والتغيرات في أساليب العمل والثورات التقنية المتلاحقة.


ويبدأ التحول الرقمي في المؤسسات ببناء الوعي وتوحيد النماذج الذهنية حول التحول قبل كل شيء. ويتلو ذلك بناء استراتيجية التحول الرقمي التي تغطي أبعاد مفهوم التحول الرقمي. ثم تأتي بعد ذلك عملية التحول الرقمي الفعلية التي تستند إلى استراتيجية التحول الرقمي وخارطة الطريق المرسومة للتنفيذ. ومن المشاريع المهمة التي يجب أن تأخذها المؤسسة في الحسبان مرحلة بناء القدرات البشرية التي ستدعم عملية التحول في المجالات المختلفة وليس فقط في المجال التقني. كما أن من المشاريع التي يجب أن تأخذ في الحسبان، تحسين الإجراءات، تحسين تجربة المستفيد، إدارة التغيير، إدارة البيانات والبنية التحتية. وقد يتطلب التحول الرقمي تغييرات في نهج المنظمات، بما في ذلك نماذج التمويل، السياسات والتشريعات، والهياكل التنظيمية.


وعادة لا يوجد إطار موحد في التحول الرقمي يلائم جميع المؤسسات حيث أن هناك العديد من العوامل التي تؤثر في عملية التحول الرقمي في المؤسسة مثل فئات وأعداد المستفيدين، وحجم المؤسسة، وثقافة المؤسسة، والقدرات البشرية في المؤسسة، والبنية التحتية التقنية، ووعي المسؤولين بأهمية التحول الرقمي، والدعم المالي، وغير ذلك.


ومن الأهمية بمكان التشديد على أن التحول الرقمي يركز على مفاهيم وممارسات مثل التمركز حول الانسان/المستخدم بدلا من التمركز حول التقنية، والاستناد إلى الأدلة والبيانات خلال عملية التحول بدلا من الأراء والمشاعر، والابتكار والاستعداد للتغيير بدلا من السكون والثبات، والاعتماد على فرق متعددة المهارات والتخصصات بدلا من الاعتماد على فرق من تخصصات تقنية فقط، والتمكين بالتقنية بدلا من الانقياد بالتقنية.